ابن الفارض

252

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

أراد ب ( مسكتي ) اسم فاعل من أسكت مضافا إلى الياء ، و ( السدى ) : المهملين ، يعني : ولولا حجاب الوجود ، وحكمة أسبابه قلت مصرّحا بلا حجاب أن الكل موجود واحد وليس غيره شيء في الوجود ، وكل عابد فهو مول وجهه شطر ذاك الموجود ، وعذر الكل قائم ، ولكن قيامي بإحكام المظاهر هي العبوديّة التي أسكتني عن إظهار ذلك ، وإذا كان الأمر كذلك ، فليس في الوجود عبث ولم تخلق الخلق مهملين ، وإن لم تكن أفعالهم جارية على نهج السداد ، وقوله : على سمة الأسماء تجري أمورهم * وحكمة وصف الذات للحكم أجرت [ 321 / ق ] تصرّفهم في القبضتين ولا ولا * فقبضة تنعيم ، وقبضة بشقوة يعني : تجري أمور الخلائق كلهم على سمة الأسماء الإلهيّة من المعزّ والمذلّ ، والهادي والمضلّ وغيرها ، وحكمة ظهور أوصاف الذات من الإعزاز والإذلال والهداية والإضلال وغيرها المشتملة على ما أجرت عليهم السعادة والشقاوة ، وهو تصرّفهم حكم ولا ولا في قبضتي النعيم والشقاوة ، فيما روي عن أبي الدرداء أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه تبارك وتعالى خلق آدم فضرب بيمينه على يساره ، فأخرج ذرّية بيضاء كالفضّة ، ومن اليسرى سوداء كالحمم » ، ثم قال : « هؤلاء في الجنّة ولا أبالي ، وهؤلاء في النار ولا أبالي » « 1 » ، ولا إشارة إلى هذين الوصفين في آخر الحديث وحكمها استغناء الذات عن أخلاق محل الصفات ، ثم قال : إلّا هكذا ، فلتعرف النّفس ، أو فلا ، * ويتلى بها الفرقان كلّ صبيحة وعرفانها من نفسها وهي الّتي * على الحسّ ما أمّلت مني ، أملت ولو أنّي وحّدت ألحدت وانسلخ * ت من آي جمعي ، مشركا بي صنعتي أي : تنبّه أيها الطالب ، فلتعرف النفس هكذا كما ذكرت من أنها هي المتفرّقة في الكون مطلقا تارة بالهداية ، وتارة بالإضلال ، وتجري أمور الخلائق على مقتضى أحكام أسمائها وصفاتها ، وإلّا فلا تطلب معرفتها ، والحال أن الفرقان يتلى كل صباح بهذه الحالة ؛ كقوله تعالى : كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ المدّثّر : الآية 31 ] ، وأمثاله وعرفانها بهذه الصفة حاصلة من ذاتها لا من غيرها ، وهي التي أملت على الحسّ من العلوم الغريبة ما رجوته كما سبق ذكره في غير موضع لها هي المرتسمة فيها العلوم ، ولو أنّني وجدت فعلها وقلت أنها الهادية ، فحسب ، ونسبت الإضلال

--> ( 1 ) رواه أحمد في المسند ( 6 / 441 ) ، والديلمي في الفردوس ( 3 / 422 ) .